فخر الدين الرازي
271
تفسير الرازي
وأما القسم الثالث : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى : * ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) * ( البقرة : 37 ) ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى : * ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) * ( البقرة : 124 ) ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور . وأما القسم الرابع : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال : * ( منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ) * ( غافر : 78 ) . القسم الخامس : ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول : أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله : * ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) * ، الثاني : أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله : * ( غفرانك ربنا ) * ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر ، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله : * ( غفرانك ربنا ) * أكثر . القسم السادس : معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله : * ( وإليك المصير ) * ( البقرة : 285 ) وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين ، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتاباً يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها . ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة ، ولما كان الأمر على هذه الجملة ، لا جرم مدح الله عز وجل القرآن فقال تعالى : * ( الله نزل أحسن الحديث ) * ( الزمر : 23 ) والله أعلم . الصفة الثانية : من صفات القرآن قوله تعالى : * ( كتاباً متشابهاً ) * ( الزمر : 23 ) أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى : * ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) * ( البقرة : 2 ) وأما كونه متشابهاً فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه . وقوله : * ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) * ( آل عمران : 7 ) يدل على كون البعض متشابهاً دون البعض . وأما كونه كله متشابهاً كما في هذه الآية ، فقال ابن عباس : معناه أنه يشبه بعضه بعضاً ، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها : أن الكاتب البليغ إذا كتب كتاباً طويلاً ، فإنه يكون بعض كلماته فصيحاً ، ويكون البعض غير فصيح ، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه وثانيها : أن الفصيح إذا كتب كتاباً في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتاباً آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول ، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة وثالثها : أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضاً ويؤكد بعضها بعضاً ورابعها : أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى